سكة حديد القدس - يافا

May 25, 2026 by
Administrator

من حضارة القدس العتيقة سنتحدث عن "سكة حديد القدس – يافا"، والتي أصبحت فيما بعد أحد فروع سكة حديد الحجاز.

اعتُبرت يافا الميناء التجاري للقدس، إضافةً إلى كونها مكانًا لنزول الحجاج المسيحيين القادمين إلى القدس، لذلك أراد الأوروبيون إنشاء سكة حديد لتسهيل السفر إليها، وقاموا بعدة محاولات لإبراز فكرة إنشاء الخط حتى يحيز الوجود.

بدأ "موسيس مونتيفيوري" أولى المحاولات عام 1255هـ / 1838م، وقد حاول شراء خط سكة حديد أنشأه البريطانيون خلال حرب القرم ومدّه بين يافا والقدس. كما دخل الفرنسيون المنافسة لإنشاء سكة حديد بين القدس ويافا، وكرر مونتيفيوري محاولاته مرة أخرى لإنشاء الخط، لكنه فشل.

وفي عام 1279هـ / 1862م تأسست شركة خاصة لمد سكة حديد القدس – يافا، لكن الحكومة العثمانية رفضت ذلك.

وفي عام 1281هـ / 1864م حاول المهندس النمساوي "تسمبل" الحصول على امتياز لإنشاء خط بين يافا والقدس، لكنه لم يحصل على المال الكافي للمشروع، إضافةً إلى معارضة الباب العالي لوصول المسيحيين إلى القدس؛ خشية التغلغل الأوروبي في المدينة المقدسة. وكان هذا السبب الرئيسي لرفض إنشاء السكة من قبل الدولة العثمانية، إلى جانب رغبتها في إنشاء السكة من نفقتها الخاصة.

وبعد مدة، بدأت فكرة تنفيذ الخط تدخل حيز الوجود، إذ أصدرت الدولة العثمانية في 7 صفر عام 1306هـ / تشرين الأول 1888م قرارًا بمنح اليهودي يوسف إلياهو مورينو نافون الجنسية العثمانية، ومنحه امتياز إنشاء هذا الخط.

وقد تمكن يوسف نافون عام 1307هـ / 1889م من تأسيس شركة لتمويل هذا المشروع، عُرفت باسم شركة الطريق الحديدية من القدس إلى يافا، بمساهمة عثمانيين وبلجيكيين وفرنسيين وسويسريين. بلغ رأس مال الشركة 200,000 ليرة عثمانية، وبلغ عدد أسهمها 8000 سهم، وكان سعر السهم الواحد 25 ليرة عثمانية.

وكان لمجلس إدارة الشركة خمسة أعضاء هم: "كامبل الكراس" رئيسًا لمجلس الإدارة، والسيد "مارل" نائبًا للرئيس، والسيد "فروتيجر (فروتكر)" أحد مصارفة القدس، والسيد "بارون"، والسيد "يوسف نافون" صاحب الامتياز. وكانت مدة الامتياز 71 سنة.

وقد ذكرت سجلات محكمة القدس الشرعية هذه الشركة باسم شركة طريق العجل الحديد، وكان من مساهميها ابنتا موسى باشا ووالدتهما، وكانت نسبة مساهمتهن في الشركة حصتين.

ووصل أول قطار بين القدس ويافا في 3 ربيع الأول 1310هـ / آب 1892م، حيث بلغ طول الخط 87 كم، وعرضه مترًا واحدًا، وكان قياس السكة ضيقًا نسبيًا، إذ أُنشئت على قياس 1000 ملم (3 أقدام و3⅜ بوصة)، مع وجود العديد من المنحنيات الضيقة والانحدارات. وكان الجزء الشرقي من الخط بين دير آبان (بيت شمش لاحقًا) والقدس يتسم بالمسارات الحادة والمتعرجة.

أما محطات القطار، فقد كان يتوقف في المحطات التالية: اللد، والرملة، وبئر آبان، وبتير، والقدس. وقد قُدّرت تكاليف المشروع ما بين 8.5 – 10.9 ملايين فرنك فرنسي.

وبلغ عدد المسافرين يوميًا نحو 20 ألف مسافر، فيما بلغ معدل الواردات 40 ألف قرش، وكانت أجرة الشخص في هذه السكة ريالًا وربع ريال.

وكان لإنشاء هذا الخط آثار اقتصادية مهمة، إذ فُتحت الدكاكين في المحطات التي يتوقف فيها القطار، كما أُنشئت البنوك في محطة القطار في القدس، وأسهم الخط في تسهيل نقل البضائع من وإلى القدس، مقارنةً باستخدام الخيول والعربات آنذاك.(1)

وفي عام 1915م، وأثناء الحرب العالمية الأولى، عمل الجيش العثماني على توسيع قياس المسار بين اللد والقدس إلى 1050 ملم؛ حتى يُتاح ربطه بسكة حديد الحجاز، ثم أزيل المسار المخصص للاستخدامات العسكرية بين المدينتين إلى مكان آخر.

وفي عام 1998م أغلقت سلطات الاحتلال خط السكة لإجراء بعض الإصلاحات، ثم أعادت افتتاحه عام 2005م، باستثناء الخط الذي كان يمر من حي البقعة و"المستعمرة الألمانية" حتى بيت صفافا، وأصبح ينطلق من منطقة أخرى هي قرية المالحة المهجرة، مرورًا بقرى مهجرة أخرى مثل عتوف ودير آبان ودير الشيخ، وصولًا إلى مدينة يافا.

شاهد على عروبته

وكما هو الحال مع المعالم والآثار الفلسطينية التاريخية العريقة الموجودة منذ ما قبل نكبة عام 1948م، تعمل "إسرائيل" على ربط المكان بتاريخها المزوّر، رغم الشواهد الكثيرة التي تثبت فلسطينيته وهويته العربية منذ بدايته وحتى نهايته.

ويقع مجمع محطة "القطار القديم" على مساحة إجمالية تبلغ نحو 75 دونمًا، في حي البقعة جنوب غربي البلدة القديمة في القدس المحتلة، بين شارعي درب بيت لحم والخليل، وبالقرب من المستعمرة الألمانية.

ويُستخدم المجمع حاليًا مكانًا للترفيه، إذ يضم مطاعم ومرافق ثقافية وترفيهية، وتمر به حديقة السكك الحديدية.

وقد صادقت لجنة "التخطيط والبناء اللوائية" الإسرائيلية على تحويل مجمع محطة "القطار القديم" إلى مركز تجاري، وبناء 600 وحدة استيطانية ومركز ثقافي وترفيهي في القدس، وذلك خلال عطلات نهاية الأسبوع.

وقالت بلدية الاحتلال، في بيان علّقته على لوحة الإعلانات الخارجية، إنه تمت الموافقة أيضًا على خطتين ضخمتين في مجمع المحطة، تشملان 500 وحدة استيطانية في ثمانية مبانٍ تتراوح بين 5 و10 طوابق، إضافةً إلى مناطق تجارية وفنادق.

وأوضحت أنه تمت الموافقة على المخطط الثاني "المجمع ج"، على مساحة تبلغ نحو 13.1 دونمًا، حيث تقترح الخطة إنشاء ثلاثة مبانٍ بارتفاع يتراوح بين 5 و10 طوابق، تضم 270 وحدة سكنية.

كما تشمل الخطة 70 غرفة فندقية، و3000 متر مربع مخصصة للعمل والتجارة، إضافةً إلى جبهات تجارية على طول الشوارع ومنطقة عامة مفتوحة بمساحة 2.3 دونم.

طمس وتهويد

ويقول المختص في شؤون القدس، فخري أبو دياب، لوكالة "صفا"، إن مصادقة الاحتلال على تحويل "القطار القديم العثماني" إلى مركز تجاري واستيطاني يأتي استكمالًا لمشاريع التهويد والاستيطان، لبسط مزيد من السيطرة وتهويد الأرض في مدينة القدس.

ويوضح أن سلطات الاحتلال تسعى لاستهداف التاريخ والهوية العربية الإسلامية، من خلال تحويل أهم معالم المدينة وأقدمها إلى مراكز ترفيهية وفنادق ووحدات استيطانية تضم 600 وحدة، إضافةً إلى المراكز التجارية.

ويضيف أن "القطار القديم" يُعد معلمًا أثريًا بارزًا ومهمًا، إذ كان يشكل سمةً للوحدة بين الأقطار العربية والإسلامية، لأنه كان يربط بين بلاد الشام والحجاز.

لكن "إسرائيل" عملت، بعد احتلالها مدينة القدس، على تجيير محطة القطار حتى باتت تصل إلى داخل فلسطين التاريخية، وتربط بين القدس ويافا وحيفا وعكا وغيرها.

ووفقًا للخطة الإسرائيلية، التي وُضعت إطارًا لتطوير مجمع استيطاني وتوظيفي وفندقي مختلط، سيتم ربطه بالقطار الخفيف المؤدي إلى المستوطنات داخل وخارج "حدود القدس"، إضافةً إلى مشروع "التلفريك" الذي سيكون بمثابة مدخل إلى البلدة القديمة وحتى محطة السكك الحديدية الثقيلة، على طول الخط القادم من "تل أبيب" إلى المنطقة الصناعية في اللد.

وفي هذا الصدد، يوضح أبو دياب أن موقع القطار سيشكل نقطة انطلاق لمشروع القطار الهوائي "التلفريك" التهويدي، الذي سيصل إلى بلدة سلوان وباب المغاربة، وصولًا إلى البلدة القديمة.

ومن خلال تحويله إلى مركز تجاري، تسعى سلطات الاحتلال إلى طمس هذا المعلم التاريخي ومسحه من الذاكرة، وإلغاء أي رموز أو دلائل شاهدة على عروبته وهويته الفلسطينية، وعلى تاريخ القدس والوجود العربي فيها، وفق أبو دياب.

ويؤكد أن بلدية الاحتلال تتعمد تعزيز الاستيطان ودعمه في مختلف أنحاء المدينة، بهدف تكريس وجود المستوطنين فيها، وضمان تسهيل حياتهم وحركة تنقلهم.

ويضيف أن جميع المخططات الاستيطانية تهدف إلى فرض واقع سياسي وديمغرافي وحضاري يغيّر طابع المدينة وتراثها، ويسلخها عن هويتها وتاريخها العريق، ويحوّلها إلى أبنية ومجمعات لا تدل على حضارتها وتاريخها الحقيقي.(2)

"يسعى الاحتلال جاهدًا إلى طمس التراث المقدسي الأصيل ونسبه إليه من خلال المشاريع الاستيطانية التي يُخطط لها ويُنفذها، لكن الحقيقة تبقى راسخة في أعين أصحاب الحق، ويبقى الدخيل تفضحه رواياته المضللة ويكشف زيفها."

المراجع  *

 ١-كتاب مدينة القدس وجوارها

صــ١٩٦ـُُـ ١٩٧ صــ ١٩٨

٢- صفا الإخبارية